ما هي المتشابهات اللفظية في القرآن الكريم؟
تعريفها، وأنواع الاختلاف بين مواضعها، وأمثلة من المصحف، ولماذا تستحق عناية خاصة من الحافظ.
تعريف المتشابه اللفظي
المتشابهات اللفظية آياتٌ أو مقاطع من آيات تتكرر في القرآن الكريم في أكثر من موضع بألفاظ متقاربة جدًا، ثم تفترق في حرف أو كلمة أو ترتيب أو خاتمة. قد يتفق الموضعان في عشر كلمات متتالية أو أكثر، ثم يأتي في أحدهما حرف عطف مكان حرف، أو كلمة لا توجد في الآخر، فيسبق لسان الحافظ إلى الصيغة التي اعتادها أكثر، ولو كانت صيغة موضع آخر.
وهذا غير «المتشابه» الذي يقابل «المحكم» في كلام أهل علوم القرآن؛ فذاك يتعلق بالمعنى وبما يحتمل أكثر من وجه، أما المتشابه اللفظي فمسألة حفظ وضبط: أين جاءت هذه الصيغة، وأين جاءت تلك، ولماذا جاء هذا الموضع بهذا اللفظ دون غيره.
وقد عني العلماء بهذا الباب قديمًا من جهتين: جهة الحفظ، بجمع المواضع المتشابهة وترتيبها ونظمها في أبيات تعين على استحضارها، وجهة التوجيه، ببيان مناسبة اختلاف اللفظ بين الموضعين لسياق كل منهما. ومن أشهر ما كُتب فيه: «مشتبهات القرآن» للكسائي، و«درة التنزيل وغرة التأويل» للخطيب الإسكافي، و«البرهان في توجيه متشابه القرآن» للكرماني، و«هداية المرتاب» للسخاوي، و«فتح الرحمن بكشف ما يلتبس في القرآن» لزكريا الأنصاري.
لماذا يخلط الحافظ بين المواضع المتشابهة؟
يعتمد الحفظ على تتابع الألفاظ: كل كلمة تستدعي التي بعدها. فإذا اشترك موضعان في بداية طويلة واحدة، صار للبداية نفسها طريقان، وسلك اللسان أكثرهما تكرارًا في المراجعة أو أقربهما عهدًا. لذلك يكثر الخلط في المواضع التي حُفظ أحدها قبل الآخر بزمن طويل، وفي المواضع التي يقع أحدها في سورة يكثر الحافظ من قراءتها.
ولا يدل الخلط بين المتشابهات على ضعف الحفظ عمومًا؛ فقد يتقن الحافظ سورتين كلًّا على حدة، ثم يتعثر حين يُسأل من وسط إحداهما في مجلس تسميع أو مسابقة. والعلاج ليس بتكرار كل سورة وحدها فحسب، بل بجمع المواضع المتشابهة ومقارنتها جنبًا إلى جنب، وحفظ الفرق نفسه.
أنواع الاختلاف بين المواضع المتشابهة
يصنّف إحكام الفرق بين مواضع كل مجموعة في خمسة أنواع، تظهر في صفحة المجموعة، وقد يجتمع في المجموعة الواحدة أكثر من نوع:
- الزيادة والحذف: كلمة أو أكثر تأتي في موضع ولا تأتي في نظيره، وهو من أكثر الأنواع شيوعًا.
- الإبدال: كلمة في موضع تقابلها كلمة أخرى في الموضع الآخر، متقاربة في المعنى أو الوزن غالبًا، فتتبادلان على لسان الحافظ.
- حروف العطف: موضع بالواو وآخر بالفاء أو بـ«ثم»، أو موضع بحرف عطف وآخر بلا حرف. وهو أدق الأنواع لأن الفرق حرف واحد.
- التقديم والتأخير: الكلمات نفسها في الموضعين، لكن ترتيبها مختلف.
- خاتمة الآية: يتفق الموضعان في صدر الآية وتختلف الفاصلة، كأن يُختم أحدهما باسمين من أسماء الله الحسنى والآخر باسمين غيرهما.
ومعرفة النوع تعين على الضبط: فالزيادة تحتاج إلى تذكّر موضعها، والإبدال إلى ربط كل كلمة بسورتها، وحرف العطف إلى انتباه خاص لأول الجملة، والخاتمة إلى ربط الفاصلة بمعنى الآية.
أمثلة من المصحف
الأمثلة التالية معروضة من نص المصحف كما هو في إحكام، والكلمات المختلفة بين المواضع مظللة. وكلها مما نصّت عليه كتب توجيه المتشابه، ولكل مثال صفحة فيها مواضع المجموعة كلها وجدول بالفروق.
وَٱتَّقُوا۟ يَوْمًا لَّا تَجْزِى نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْـًٔا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَـٰعَةٌ وَلَا
ورد في كتب توجيه المتشابه- البقرة ٤٨
وَٱتَّقُوا۟ يَوْمًا لَّا تَجْزِى نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْـًٔا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَـٰعَةٌ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا هُمْ يُنصَرُونَ
- البقرة ١٢٣
وَٱتَّقُوا۟ يَوْمًا لَّا تَجْزِى نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْـًٔا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا بداية موضع الفرق عَدْلٌ نهاية موضع الفرق وَلَا تَنفَعُهَا بداية موضع الفرق شَفَـٰعَةٌ نهاية موضع الفرق وَلَا هُمْ يُنصَرُونَ
وَقُلْنَا يَـٰٓـَٔادَمُ ٱسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ ٱلْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَـٰذِهِ ٱلشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ ٱلظَّـٰلِمِينَ
ورد في كتب توجيه المتشابه- البقرة ٣٥
وَقُلْنَا يَـٰٓـَٔادَمُ ٱسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ ٱلْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَـٰذِهِ ٱلشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ ٱلظَّـٰلِمِينَ
- الأعراف ١٩
بداية موضع الفرق وَيَـٰٓـَٔادَمُ نهاية موضع الفرق ٱسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ ٱلْجَنَّةَ بداية موضع الفرق فَكُلَا مِنْ نهاية موضع الفرق حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَـٰذِهِ ٱلشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ ٱلظَّـٰلِمِينَ
وَمَا جَعَلَهُ ٱللَّهُ إِلَّا بُشْرَىٰ لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُم بِهِۦ ۗ وَمَا ٱلنَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِندِ ٱللَّهِ
ورد في كتب توجيه المتشابه- آل عمران ١٢٦
وَمَا جَعَلَهُ ٱللَّهُ إِلَّا بُشْرَىٰ لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُم بِهِۦ ۗ وَمَا ٱلنَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِندِ ٱللَّهِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَكِيمِ
- الأنفال ١٠
وَمَا جَعَلَهُ ٱللَّهُ إِلَّا بُشْرَىٰ بداية موضع الفرق وَلِتَطْمَئِنَّ نهاية موضع الفرق بِهِۦ بداية موضع الفرق قُلُوبُكُمْ ۚ نهاية موضع الفرق وَمَا ٱلنَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِندِ ٱللَّهِ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ
وَلَا تَقْتُلُوٓا۟ أَوْلَـٰدَكُم مِّنْ إِمْلَـٰقٍ ۖ نَّحْنُ
ورد في كتب توجيه المتشابه- الأنعام ١٥١
۞ قُلْ تَعَالَوْا۟ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ ۖ أَلَّا تُشْرِكُوا۟ بِهِۦ شَيْـًٔا ۖ وَبِٱلْوَٰلِدَيْنِ إِحْسَـٰنًا ۖ وَلَا تَقْتُلُوٓا۟ أَوْلَـٰدَكُم مِّنْ إِمْلَـٰقٍ ۖ نَّحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ ۖ وَلَا تَقْرَبُوا۟ ٱلْفَوَٰحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ ۖ وَلَا تَقْتُلُوا۟ ٱلنَّفْسَ ٱلَّتِى حَرَّمَ ٱللَّهُ إِلَّا بِٱلْحَقِّ ۚ ذَٰلِكُمْ وَصَّىٰكُم بِهِۦ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ
- الإسراء ٣١
وَلَا تَقْتُلُوٓا۟ أَوْلَـٰدَكُمْ بداية موضع الفرق خَشْيَةَ نهاية موضع الفرق إِمْلَـٰقٍ ۖ نَّحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ ۚ إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْـًٔا كَبِيرًا
ثُمَّ تُوبُوٓا۟ إِلَيْهِ ۚ إِنَّ رَبِّى قَرِيبٌ مُّجِيبٌ
ورد في كتب توجيه المتشابه- هود ٦١
۞ وَإِلَىٰ ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَـٰلِحًا ۚ قَالَ يَـٰقَوْمِ ٱعْبُدُوا۟ ٱللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرُهُۥ ۖ هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ ٱلْأَرْضِ وَٱسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَٱسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوٓا۟ إِلَيْهِ ۚ إِنَّ رَبِّى قَرِيبٌ مُّجِيبٌ
- هود ٩٠
وَٱسْتَغْفِرُوا۟ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوٓا۟ إِلَيْهِ ۚ إِنَّ رَبِّى بداية موضع الفرق رَحِيمٌ وَدُودٌ نهاية موضع الفرق
من أين تبدأ؟
ابدأ بالأجزاء التي تحفظها: اختبار تحديد المستوى يكشف في دقائق المواضع التي تخلط بينها فعلًا، فتبدأ بها بدل أن تراجع المتشابهات كلها دفعة واحدة. ثم تصفّح متشابهات السور التي تحفظها من فهرس السور أو الأجزاء، واقرأ كل مجموعة مع الفروق المظللة، ثم انتقل إلى دليل الضبط لتعرف كيف تثبّتها في ذاكرتك.
أسئلة شائعة
- هل المتشابهات اللفظية هي المتشابه المذكور في مقابل المحكم؟
- لا. ذاك متشابه في المعنى يبحثه المفسرون وأهل الأصول، أما المتشابه اللفظي فتكرار الألفاظ مع اختلاف يسير بين المواضع، ويعتني به الحفاظ والقراء وأصحاب كتب توجيه المتشابه.
- كم عدد المتشابهات اللفظية في القرآن؟
- يختلف العدد باختلاف طريقة العدّ: هل تُعد الآية المكررة بلفظها، وما أقل قدر من الألفاظ المشتركة يُعد تشابهًا. وفي إحكام صفحة لكل سورة ولكل جزء تذكر عدد مجموعاته.
- هل يكفي حفظ الضابط دون مقارنة المواضع؟
- الضابط يختصر الفرق في عبارة قصيرة، لكنه يثبت أكثر إذا قرأت المواضع نفسها جنبًا إلى جنب ورأيت الفرق بعينك، ثم اختبرت نفسك فيه بعد أيام.